مصر بحاجة إلى التغيير .. عبارة يرددها كل صاحب عقل وهي منطقية جدا ومطلوبة جدا .. فعلا مصر في مرحلة التغيير، فبعد حكم القهر والظلم والفساد والتبعية لمدة تجاوزت الربع قرن يريدوا لها أن تتحول إلى عزبة تنتقل ملكيتها من الأب لابنه لمجرد أنه ابنه!
إن ما يُـبقي مبارك في الحكم حتى الآن هو ارتكانه وتحالفه القوي والمتين مع أمريكا وإسرائيل، فالنظام في مصر يعلم جيدا أنه لم يعد مقبولا شعبيا بالمرة وأن مظاهرات 2003 في ميدان التحرير ضد موقفه من حرب العراق وسماحه للطائرات والبوارج الأمريكية بالمرور من مجالنا الجوي ومياهنا الإقليمية وقناة السويس .. ومظاهرات 6 ابريل 2008 في المحلة تعبر عن الحالة الشعبية الرافضة لوجود هذا النظام القابع على رقبة المصريين وأنفاسهم منذ ربع قرن من الزمان، وفي النهاية يريد أن يحول مصر الدولة الكبيرة إلى عزبة تنتقل ملكيتها بصلة الدم من الأب إلى الابن!
والتحالف مع أمريكا باعتبارها الدولة صاحبة أكبر مصالح في المنطقة والموجودة بقوة اقتصاديا في مشروعات البترول وعسكريا في قواعد بالقرب من آباره بالمنطقة يضمن للنظام سكوتها على تجاوزاته فيما يخص الديمقراطية وحقوق الانسان لأن أمريكا بطبيعة تركيبتها العقلية البراجماتية تفضل المصلحة على المبدأ، فهي تنادي بالديمقراطية واحترام حقوق الانسان وتنتقد دولا كإيران وسوريا لأقل هفوة فيما يخص هذه المواضيع، ولكن حين ينتهك نظام مبارك كل المواثيق الدولية في حقوق الانسان لا يتعدى الأمر العتاب "الرقيق" إن حدث أساسا!!، وما حدث من ضجة عالمية حين قتلت الفتاة الإيرانية ندا سلطان أثناء المظاهرات الأخيرة في طهران ومقارنته بحالة الصمت الدولي حين قتلت أيضا المصرية مروة الشربيني على يد متطرف ألماني يؤكد سياسة الكيل بمكياليين في ملف حقوق الانسان، فالحالة الأولى استدعت أن يصرح أوباما شخصيا بأنه مستاء وحزين لمقتل ندا سلطان ولكنه لم يفتح فمه لمقتل مروة الشربيني أو مقتل صبي المحلة على يد الأمن المصري حينما كان يشاهد من بلكونة بيته مظاهرات 6 إبريل 2008 هذا إلى جانب حالات التعذيب المنتشرة في السجون المصرية!!
في مقابل هذا السكوت من أمريكا يقدم النظام في مصر خدماته "الجليلة" لها ومدللتها إسرائيل، وموقف النظام المصري في حرب غزة الأخيرة كإغلاق معبر رفح في وجه المساعدات الذاهبة إلى قطاع غزة من أدوية وأطعمة في وقت الحرب ومنع قوافل الإغاثة التي نظمتها القوى الوطنية من الوصول إلى شبه جزيرة سيناء أصلا بل وصل الأمر في قافلة السادس من أكتوبر العام الماضي إلى تفريقها بالقوة وضرب النشطاء والسياسيين والصحفيين كبارا كانوا أو صغارا من أمام مجلس الدولة!!، أيضا تصدير الغاز إلى إسرائيل ينقسم إلى قسمين ترتيبهما من حيث الأهمية: الأول أنه لا يجب أن يذهب الغاز المصري إلى إسرائيل من الأساسا لأنها العدو الاستراتيجي لنا والثاني هو بخس ثمنه الذي يكاد يكون مجانا!!
لقد علمنا التاريخ أن إسرائيل هي العدو الأول لنا أجيالا سابقة أو (جديدة) .. وإسرائيل حليفة أمريكا، وإن كانت أمريكا تحاول لعب دور وسيط السلام في الماضي فقد أصبحت طرفا في الصراع بعد احتلالها أرضا عربية وهي العراق وبالتالي تتحول إلى عدو شأنها شأن إسرائيل فكلاهما يغتصب أراضي عربية .. وعلمنا التاريخ أن أمريكا ومنظماتها المشبوهة كفريدوم هاوس - صاحبة مشروع (جيل جديد) من النشطاء - وغيرها تعمل على صناعة الثورات الملونة التي دائما ما تفرز قيادات موالية لأمريكا بأكثر ما هي موالية لشعوبها مثلما حدث في أوكرانيا وجورجيا وصيربيا .. وعلمنا التاريخ أن التغيير الحقيقي الذي يطلبه الشعب المصري لابد وأن يتناقض مع المشروع الأمريكي للتغيير لتركيبة الشعب المصري وتكوينه الجيني الذي يكره إسرائيل ويتعاطف مع فلسطين والعراق .. وعلمنا التاريخ أن الإنسان لابد وأن يتعلم من تاريخه .. لقد علمنا التاريخ أن الإنسان ليس كالفأر!!













